يكتب فيديريكو خاراست، أستاذ الأشغال التطبيقية في كلية الحقوق بجامعة بوينس آيرس، والمستشار القانوني السابق في رئاسة الجمهورية الأرجنتينية، هذه القراءة القانونية في لحظة يختبر فيها عام 2026 حدود النظام القانوني الدولي منذ أيامه الأولى، ويهزّ ركائزه بعنف غير مسبوق. يوضح الكاتب أن من لا يزال يؤمن بقيمة القانون الدولي كما عرفه العالم حتى عام 2025، لا يملك ترف الانتظار.

 

تشير أوبينو جوريس في هذا التحليل إلى أن منطق “أفعل ذلك لأنني أستطيع” لم يغب يومًا عن العلاقات الدولية، لكنه ظل محاطًا دائمًا بمحاولات تبرير قانوني، مهما بدت واهية. المفاجأة اليوم تكمن في أن الإدارة الأمريكية لم تقدم أي تفسير قانوني واضح لعمليتها العسكرية الأخيرة في فنزويلا، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات خطيرة في فهم استخدام القوة، وحصانة المسؤولين، والاعتراف بالحكومات.

 

ضربة لاستخدام القوة في القانون الدولي

 

توجه العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا ضربة مباشرة للمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. تكشف الوقائع أن الضربات التي وقعت في 3 يناير 2026 تشكل استخدامًا صريحًا للقوة، وتتناقض مع مقاصد الأمم المتحدة. تزيد تصريحات الرئيس الأمريكي اللاحقة من خطورة المشهد، إذ تحمل في طياتها تهديدًا باستمرار هذا النهج.

 

يشكل حظر استخدام القوة منذ عام 1945 العمود الفقري للنظام الدولي. ورغم أن خرق هذا الحظر ليس جديدًا، إلا أن الجِدة هنا تظهر في العلنية والتحدي المباشر، من دون أي محاولة للتغطية القانونية. يعيد هذا السلوك إلى الواجهة نقاشات قديمة حول ما إذا كانت المادة 2/4 لا تزال فاعلة أم أنها فقدت معناها العملي بالكامل.

 

حصانة رؤساء الدول تحت الاختبار

 

يثير اعتقال نيكولاس مادورو إشكالية قانونية أكثر تعقيدًا. تدرج لجنة القانون الدولي منذ عام 2007 مسألة حصانة مسؤولي الدول من الولاية الجنائية الأجنبية ضمن برنامجها. تنص مشاريع المواد الصادرة حديثًا على أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة شخصية كاملة تشمل الأفعال الرسمية والخاصة طوال فترة توليه المنصب.

 

يفتح اعتقال مادورو سابقة خطيرة، إذ قد ترى دول أخرى في هذا النهج مبررًا لملاحقة رؤساء دول أجانب أمام محاكمها الوطنية. يزيد الأمر تعقيدًا أن التهم الموجهة إليه لا تندرج، وفق أحدث تقارير اللجنة، ضمن الجرائم الدولية التي ترفع الحصانة الوظيفية. يضع هذا الواقع لجنة القانون الدولي أمام اختبار صعب في دورتها السابعة والسبعين عام 2026، حيث تسعى إلى التوفيق بين سلوك القوة العظمى وصياغة قواعد مقبولة دوليًا.

 

الاعتراف بالحكومات بين الشرعية والفعالية

 

يحكم القانون الدولي مسألة الاعتراف بالحكومات، رغم حساسيتها السياسية. تنقسم النظريات التقليدية إلى اتجاهين: مبدأ الفعالية، الذي يربط الاعتراف بالسيطرة الفعلية على السلطة، ومبدأ الشرعية، الذي يشترط توافق الحكومة مع النظام الدستوري والقانوني للدولة.

 

عرفت أمريكا اللاتينية هذين الاتجاهين في صيغتي “مبدأ إسترادا” و“مبدأ توبار”. ورغم أن الشرعية سادت نظريًا، إلا أن كثيرًا من الوقائع الحديثة لا تفسر إلا عبر مبدأ الفعالية. اتبعت الولايات المتحدة تاريخيًا مسارًا متقلبًا بين المبدأين، فدعمت الفعالية في القرن التاسع عشر، ثم تبنت الشرعية مع مطلع القرن العشرين.

 

يكشف الموقف الأمريكي من فنزويلا تناقضًا صارخًا. اعترفت واشنطن في فترات سابقة بخوان جوايدو، ثم بإدموندو جونزاليس فائزًا في انتخابات 2024، مستندة إلى خطاب الشرعية. لكن بعد العملية العسكرية، اختارت التعامل مع ديلسي رودريجيز، إحدى ركائز النظام السابق، رغم ارتباطها الوثيق بإرث تشافيز ومادورو. يوحي هذا التحول بأن الفعالية حلت فجأة محل الشرعية، من دون إعلان مبدأ جديد يحكم هذا التغيير.

 

قانون دولي بلا بوصلة

 

تعجز نظريتا الشرعية والفعالية معًا عن تفسير السلوك الأمريكي الحالي تجاه فنزويلا. يتجاوز المشهد مجرد اختلاف في التفسير، ليطرح سؤالًا أعمق: هل ما زال الاعتراف بالحكومات خاضعًا للقانون الدولي أصلًا؟

 

قبل نحو ثمانية عقود، أكد فقهاء القانون الدولي أن الدول لا تتصرف في مسألة الاعتراف وفق مصالحها الضيقة فقط، بل ضمن مبادئ عامة تحكم المجتمع الدولي. يختتم الكاتب بنبرة حنين وتساؤل مفتوح: هل لا تزال تلك الكلمات صالحة في عالم 2026، أم أن النظام القانوني الدولي يقف اليوم على حافة فقدان معناه؟



https://opiniojuris.org/2026/01/14/venezuela-beyond-the-use-of-force-and-maduros-immunity/